حزب الدعوة إلى أين ؟ الحلقة الخامسة – الدكتور طالب الرماحي

يحدثنا تاريخ حزب الدعوة وثقافته المدونة والتي وضع أسسها الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشهيد محمد هادي السبيتي والشهيد عزالدين سليم وغيرهم من الشخصيات الإلهية والتي سكبت أرواحها ودمائها في بودقة الحزب لرسم معالم واضحة للتحرك في أوساط الأمة وبالشكل الذي يؤدي صياغة حياة جديدة خالية من الظلم والأنانية وحب الشهوات تمهيدا لإقامة دولة العدل الإلهي التي وعد الله بها البشرية وأوكل قيادتها للإمام المهدي (عج) والذي نلهج به ليل نهار ونتوسل به وبالله تعالى في أن يكون يوم خروجه عاجلاً غير آجل .
وتأسيس حزب الدعوة في العراق جاء نتيجة للفراغ العقائدي بين الشباب في ظل انتشار الأفكار العلمانية والاشتراكية والليبرالية التي بلغت أوجها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ، وهذا يعني أن الهدف الأساسي للمؤسسين هو استقطاب الشباب غير المنتمي أو( تغيير ) الأفكار الضالة التي وردتنا من خارج الحدود ، وكذلك خلق بيئة إسلامية جديدة صحية واعية يتحرك فيها الشباب ويتأثر بها المجتمع .
وقد ورد من المباديء ما يشير وبشكل واضح إلى أهمية الإصلاح الاجتماعي كأولوية في العمل ، وبينت ( الثقافة السياسية ) للحزب وكما ورد في إحدى إصدارات حزب الدعوة الإسلامية تحت عنوان ( قرارات التأسيس ) للسيد هاشم الموسوي في تموز 2000 ما نصه :
-         أن الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية لا يمكن أن يعالج بعمـل إصلاحـي جزئي ، بل لابد من عمل تغييري شامل ، لتغيير الفرد والمجتـمع بما فيه من أعراف وتقاليد وسلوك وقوانين ونظم ومفاهيم تخـالف الإسلام . وإعادة بناء الحياة على أساس الشريعة الإسلامية .
فنفهم مما سبق أن المبدأ الأساسي لتأسيس الحزب هو التغيير الاجتماعي ، أما المشاركة في السلطة فقد جعلتها المباديء مرحلة متأخرة على التغيير والنضج السياسي ، فتذكر إحدى وثائق الحزب وهي تتحدث عن تلك المراحل بوضوح وتقسمه بالشكل التالي :
أ – المرحلة الفكرية (التغييرية ) ، وهي مرحلـة البناء والتغيير التي يبنى فيها الفكر والدعاة والأمة ، بناء إسلامياً يؤهل للانتقال إلى المرحلة الثانية و السياسية.
ب- المرحلة السياسية : وهي مرحلة العمل السياسي التي تنتقل بها الدعوة من المرحلة التغييرية ، بعد  أن جازت مرحلـة البناء الفـكري وإعـداد الدعاة  ، وتوعية الأمة وتثقيـفها بالثقـافة الإسلامية ، لتصبح قادرة على خوض عملية الصراع السياسي .
ج- مرحلة إقامــة الدولة وتطبيق النظام والشريعة الإسلامية .
فنفهم مما سبق وبشكل واضح أن حزب الدعوة الإسلامية قد أسس لأهداف تغييرية تربوية بعد أن أدرك المؤسسون أن المجتمع يعاني من كثير من الأزمات الإخلاقية وقلة الوعي وتفشي الأفكار الضالة المستوردة ، وقد سار على هذا النهج خلال العقود الثلاث الأولى من التأسيس الرعيل الأول والثاني من القيادات الإلهية المخلصة  التي استشد الكثير منها وترك آخرون الحزب بعد أن تسلق لقيادة الحزب ( للأسف الشديد ) شخصيات جعلت من الحزب طريقا للثراء وللدنيا ولتحقيق المكاسب الخاصة .
لقد بدا واضحا تهالك القيادات الجديدة لحزب الدعوة على العمل السياسي بعد الانتفاضة المباركة للشعب العراقي في 1990 ، وكانوا سباقين لحضور المؤتمرات والنشاطات السياسية بشكل غير طبيعي ، وقد أداروا ظهورهم لأي عملية تغيير اجتماعي بل كانوا يستخفون حتى بالنشاطات الاجتماعية التي تقوم بها الجاليات العراقية في الخارج ، وأتذكر في بريطانيا كانت نشاطات حزب الدعوة في ( دار الإسلام ) روتينية مملة ، وكنت ممن يقيم الكثير من النشاطات الإسلامية التربوية والاجتماعية في ( شرق العاصمة البريطانية ) وكان الكثير من الشخصيات تحضر تلك النشاطات عدا رموز حزب الدعوة ، وقد عاتبت أحدهم على عدم الحضور فرد بعذر غريب حيث قال : أنتم بعيدون عنا ؟ فقلت له : وأنتم بنفس البعد ولكنا نأتي لنشاطاتكم .
الكل يدرك اليوم طبيعة العلاقات الكبيرة والانسجام بين الدعوة وبين الإدارة الأمريكية بشخوصها في الداخل والخارج ، وأحب أن اسوق دليلاً على عمق التناقض الذي يعيشه قادة حزب الدعوة ، فبعد قرار أحزاب المعلرضة بقبول دعوة الإدارة الأمريكية لحضور مؤتمر صلاح الدين الذي عقد في أيلول 1992 أبدى قادة الدعوة زهداً في قبول الدعوة ، وكانوا يشيعون أنهم لن يحضروا مؤتمرا تحت المظلة الأمريكية ، لكن الأمريكيين يدركون ما يعتمل في دواخل قادة الدعوة فأشاعوا أن مؤتمر صلاح الدين سوف يشكل حكومة مؤقتة ولا نصيب لمن يتغيب عن هذا المؤتمر ، وأتذكر جيدا أن هذه الإشاعة قد بلغت مسامع قادة الدعوة قبل يوم واحد من عقد المؤتمر ، وإذا بقادتهم من لندن وطهران يتصدرون المقاعد الأولى في قاعة المؤتمر .
وأحب أن أسوق دليلاً ماديا آخر على تناقض المواقف ، ففي بداية شهر آذار 2003 الذي بدأت فيه القوات الأمريكية هجومها للإطاحة بنظام البعث الصدامي ، كانت قناة  (أي أن أن) قد استضافت الدكتور إبراهيم الجعفري وكان الحديث ساخناً مع مقدم البرنامج الإعلامي العراقي المعروف سامي فرج علي حول إصرار الأمريكيين على إرسال بوارجهم الحربية واستعداداتهم المتواصلة لإسقاط نظام صدام ، وكنت أراقب الحديث وفي صدري مرجل يغلي كباقي العراقيين في الداخل والخارج انتظارا للحظات الحاسمة التي سوف تنقذ العراق من أعتى مجرم عرفه التاريخ الحديث . ولشد ما أفزعني وأنا اراقب الجعفري وهو ينتقد دخول الأمريكيين وتنتفخ أوداجه غضباً من تدخلهم لتغيير النظام في العراق وقد كرس كامل وقت البرنامج الذي تجاوز الساعة والنصف لتعميق فكرة خطأ التدخل الأمريكي وكوارثه المستقبلية على الشعب .  ولعلاقتي بالقناة فقد سمحوا لي بمداخلة للتعليق على موقف الجعفري غير المتوقع فقلت له بما نصه ، وأنا واثق أنه يتذكر ذلك الموقف جيداً :
( استاذ أبا أحمد إذا كان حزب الدعوة يرى عدم جواز تغيير النظام الصدامي من قبل الأمريكيين بالقوة فأرجو ورأفة بالشعب العراقي المسكين تجميد العمل بهذا الرأي لحين انتهاء القوات الأمريكية من مهامها ، فالشعب العراقي الآن يقف على صحن ساخن ويعد الثواني للخلاص من كارثة مستمرة في العراق اسمها صدام حسين ) .
بعد سقوط النظام البعثي وجدنا قادة حزب الدعوة ومنهم الدكتور الجعفري في مقدمة المتزاحمين على تقاسم السلطة في بغداد ، يتزلفون للأمريكيين طمعا في استرضائهم للحصول على صك تقلد أحد المناصب الرفيعة .
المعروف أن الأحزاب الإسلامية أنها تمتلك من الثوابت الأخلاقية والمباديء الإنسانية والمواقف السياسية غير القابلة للتغيير ، فالحزب ليس شركة تجارية يمكن لها أن تغيير لونها وتعاملها تبعاً لتبدل حالة السوق أو المتغيرات الاقتصادية ، لقد بدا لنا حزب الدعوة وكأنه فعلاً شركة تجارية وأن أعضاء مكتبها السياسي عبارة عن مجلس لإدارة تلك الشركة ، فلقد ضاعت كل المباديء التي عرفناها عن الحزب وقرأناها وتثقفنا عليها سنين طويلة عندما كنا نؤمن بقدرة الدعوة على قيادة الأمة والوصول بها لشاطيء الأمان والتقدم والازدهار . فقادة الحزب الجدد قفزوا على كل المباديء التي رسمها المؤسسون ، فهم وقبل أن يرى المجتمع العراقي أي محاولات من قبل الحزب لمعالجة الكوارث الأخلاقية والمادية الكثيرة التي خلفها النظام الصدامي طيلة فترة حكمه المقيت وقبل أن يرسموا برنامجاً لمحاربة الفقر والأمية والجهل والبطالة ، سارعوا لتقلد المناصب العليا واحتكارها في الدولة ، فاتحين أبواب الدنيا لأمثالهم من الوصوليين والفاشلين لمشاركتهم الغنيمة ، غالقين بوجه كل الشرفاء فرص المشاركة في بناء هذا البلد الذي هو أحوج ما يكون لهم في فترة البناء والإصلاح هذه .
لقد حاول المخلصون من أبناء الدعوة أن ينصحوا بعدم الإسراع في المشاركة بالعملية السياسية ، فمرحلة تبني الحكم لم يحن بعد وحزب الدعوة يتعرف على المجتمع الجديد لأول مرة بعد فراق دام أكثر من خمسة عقود ، لقد أكد أؤلئك المخلصون أن الدخول في العملية السياسية سوف يحرق الحزب أو يقصيه عن وجدان الأمة ، لكن الذي خشي منه أؤلئك المخلصون قد حصل فعلاً ، وها هو الشارع عندما يتحدث عن حزب الدعوة يتحدث عن فشل ذريع وخيبة أمل كبيرة ، وإخفاق في كل مجالات الحياة في عراق ما بعد البعث ، ويكفي لتعميق هذا الفشل لدى عموم الشعب أن الحزب وبعد قيادته للعراق سبعة سنوات ( مع سنة الجعفري ) لم يستطع أن يوفر ( الكهرباء ) ، فضلاً عن الإخفاقات الكثيرة التي نحن بحاجة إلى عشرات المقالات وخاصة أنها تتعلق بكل النواحي في العراق ابتداءا بالأداء السياسي وانتهاءا بحرمان الفقراء من الحصة التموينية .
أن تجربة حزب الدعوة في الحكم ، لم تك في صالح الشعب العراقي وخاصة الأكثرية فيه ، فهي تجربة مريرة واتسمت بمعلمين الأول : أن قادة الحزب لايمتلكون الحد الأدنى من الخبرة في إدارة الدولة ، ونحن ذكرنا أنهم فشلوا في إدارة الحزب خلال الحقبتين الماضيتين فكيف يتسنى لهم أن يديروا بلدا مهما كالعراق يتصف بتعقد مشهده السياسي وتنوع طوائفه وإثنياته ، وقد ظهرت كارثية غياب الخبرة فيما نشهده اليوم من صراع بين دولة القانون ( حزب الدعوة ) وبين كافة فئات الشعب العراقي بلا استثناء ومنهم حلفائهم في التحالف الوطني ، وسوف تظهر هذه الحقيقة أكثر وضوحاً قريباً عندما تسحب الثقة من المالكي ويعزل قادة حزب الدعوة وتحرك ضدهم الملفات التي تم غلقها أو التستر عليها بفعل استغلال صلاحيات رئاسة الوزراء . المعلم الثاني الذي ميز فترة سلطة المالكي : هو الإستحواذ على منافع البلد لصالح رموز الدعوة والمقربين منها ، فلقد تبين أن أغلب نواب حزب الدعوة استغلوا صلاحيات وسطوة رئيس الوزراء في الأستحواذ على العقود الضخمة التي تبرم مع الشركات العالمية ، أو في الداخل من خلال ( هيئات الاستثمار )  الأمر الذي وفـر لدى حزب الدعوة سيولة مالية ضخمة تم استخدامها أثناء الحملات الانتخابية سابقا في شراء الذمم وفي الدعاية ، وهم يتهيئون مستقبلاً لفعل ذلك بإسلوب أكثر خطورة على العملية الديمقراطية . كما لم تسلم منهم حتى عقارات الدولة التي تقاسمها نوابهم وأقاربهم ومن يريد أن يعرف بعض هذه الحقائق عليه أن يدقق من أمانة العاصمة في القطع السكنية في أهم مناطق بغداد فسوف ترى العجب ، ومن هذا العجب أن ابن وزير من حزب الدعوة لم ير العراق قد منح قطعة أرض في الشارع المحيط في الكاظمية يقدر قيمتها بمليونين دولار ، ونائب آخر قد استحوذ على أكثر من عشرة قطع سكنية في المنطقة ذاتها وزعت على أقاربه وما خفي أعظم . فيما لم يزل الملايين من فقراءهذا الشعب يحلمون بقطعة أرض في إحدى الصحاري خارج المدن والقصبات .

5 Responses to “حزب الدعوة إلى أين ؟ الحلقة الخامسة – الدكتور طالب الرماحي”

  1. قاسم الكركوكى says:

    مقالة قيمة جديرة بالإستحسان و التثمين. أحسنتم!

  2. اخي الفاضل دكتور طالب الرماحي ان هؤلاء حتما سيشمل قول الله تعالى(فهل عسيتم ان توليتم ان تنفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم) اولئك الذين لعنهم الله فاصمهم واعمى ابصارهم) ثم ياتي الاستبدال وهوالتركيز على بناء نخبة صالحة همها الله ورسوله من الذين لايريدون علوا في الارض ولافسادا ) هؤلاء منذ ان غادروا العراق كان همهم ان تسقط لهم ايران صدام فيجلسوا على الكراسي فقامت امريكا بالمهمه وهم مستعدين للضرب بالنعال من قبل البعثيين لكنهم لن يتقبلوا كلمة حق من مشفق امين لقد رايت شتائمهم بحقك في موقع عراق القانون حول مقالتك الجميله حزب الدعوة الى اين) فتيقنت ان هؤلاء الذين احاطوا انفسهم بجيش من المنافقين والمنتفعين لن تنفع معهم نصيحية الا التدمير الالهي وهو قادم لامحالة .

  3. عامر عباس الغريباوي says:

    يا سبحان الله كتاب الاخ الرماحي دائماً يوشر عليها الكره الدفين لحزب الدعوة الاسلامية وهو يقول ان تجربة حزب الدعوة في الحكم مريرة… هل يا ترى كلامي موجه للرماحي حقبة البعث الصدامي كانت جيدة وذات اسلوب انساني للعراقين …لماذا هذا التناقض في المواقف والكلام.

  4. جــــواد الســــــــعيد says:

    نسي الأخ الدكتور الرماحي موقفا مهما من قادة الدعوة وهو أنهم رفضوا الحضور في مؤتمر لندن الذي سبق السقوط وبعده مباشرة سافر الدكتور الجعفري مفردا الى واشنطن واجتمع يالامريكان لوحده ولا أحد يعلم ماذا دار هناك وهذا الموقف سبب نزاعا بينه وبين القيادات الأخرى بما فيهم نوري المالكي

  5. alex says:

    الاخ الدكتور العزيز الوردة يمكن انك نسيتني ولاكن لدية تعليق صغير الحزب الذي يعين مدير الخطوط الجوية العراقية في لبنان ابو م ——- وهو لايملك اي شهاد واللة شاهدة على مااقول اشترى شهادة من جامعة الحضارة الاسلامية من الدكتور مخلص الجدة وتم تعينة مدير الشرق الوسط ولانة علاقتة بالمالكي ايام النظال السلبى علاقة قوية واريد ان اذكر مقولة للسيد الشهيد الصدر الاول وهي ليس غايتنا السلطة بل غايتنا اسعاد الشعب وقد قام حزب الدعوة الجديد بتغير المقولة ليس غاينا اسعاد الشعب بل غايتنا التمسك بالمناصب– رحمة اللة السيد الصدر ورعيل الدعوة الاول

أضف تعليق

*