عيش يا كديش !- عدنان حسين

من فضائل الأزمة المشتدة والمتواصلة بين أجنحة السلطة في بلادنا، انها أتاحت لنا فرصة   ( بل فرص) الإطلاع عن كثب عبر الفضائيات على تفاصيل الأمكنة التي تجتمع فيها قيادات هذه الأجنحة وأقطابها (المكاتب والقاعات) ما جعلنا نقترب من طبيعة الحياة التي يعيشها هؤلاء الذين ما فتئوا يفتئتون على الشعب بالزعم انهم منذورون لخدمته.

للمرة الثالثة أو الرابعة خلال الأسابيع القليلة الماضية تنقل لنا كاميرات الفضائيات لقطات مطولة من داخل مقر الاجتماعات للتحالف الوطني، هي لقطات مأخوذة قبل بدء الاجتماعات بالطبع لأغراض الدعاية والتسويق السياسي.

يبدو المقر كما لو أنه ركن من أركان الجنة وليس قائماً على قطعة من الارض العراقية المسكونة بالخراب والمحتشدة بالازبال والأتربة والمياه الآسنة، فالطاولة المستطيلة عامرة بالفاكهة مما يتخيرون ومحشوة في الوسط بحقل مزهر لا نظير له حتى في معرض الزهور الذي اقامته أمانة بغداد قبل شهرين في متنزه الزوراء. ولم يكن ينقص قاعة الاجتماع سوى الولدان المخلدين ولحم الطير والحور العين لتصبح على تماثل تام مع صورة الجنة المذكورة في القرآن ((يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلاً سلاماً سلاما)).

في هذا الجو الفردوسي أخذ قادة التحالف الوطني ( الهيئة السياسية ) راحتهم على التمام وهم يبحثون في الأزمة السياسية القائمة التي تنيخ بكلكلها على كاهل الشعب، من دون الشعور بالحاجة الماسة الى حل سريع لهذه الأزمة التي تنسحق تحت وطأتها عظام الناس وتتفتت أعصابهم.

لقد احتاج الأمر من التحالف الذي يمسك بمعظم مقاعد البرلمان والحكومة والمناصب الرئيسة والثانوية في الدولة أن يعقد اجتماعاً في أجواء فردوسية للقول ان هناك حاجة للاصلاح الذي تطالب به الكتل والائتلافات الأخرى، بل الشعب بأجمعه، ثم احتاج الى اجتماع ثان للتوصية بتشكيل لجنة خاصة من ممثلي مكوناته ((لوضع آلية مناسبة ومضمونة لتحقيق الإصلاح في مختلف جوانب العملية السياسية))، ثم احتاج الى اجتماع ثالث،هو الأخير الذي عقد الليلة قبل الماضية، لتسمية أعضاء هذه اللجنة.

والان علينا أن نتوقع ان تحتاج هذه اللجنة الى اجتماع للتعارف والتمهيد للموضوع وآخر لطرح الافكار والرؤى والمقترحات، وثالث لمراجعة هذه الأوراق، ورابع وربما خامس وسادس لتسوية الخلافات والتقريب بين وجهات النظر، وسابع لصياغة القرارات ثم رفعها الى القيادة التي بدورها يتعين أن تجتمع مرة واثنتين وثلاثة قبل أن تتفق على الآلية المناسبة والمضمونة لتحقيق الاصلاح في مختلف جوانب العملية السياسية.

باختصار شديد سيتعين علينا نحن المثقلون رغماً عنا بأوزار وآثام سياسيينا المرفهين في فراديسهم ان نتمثل حكمة المثل: عيش يا كديش حتى ينبت الحشيش.

أضف تعليق

*