الحسين مصلحاً .. قراءة في تعاملنا مع ثورته -الدكتور طالب الرماحي

لا يختلف اثنان من الشيعة أو المنصفين من المجتمع الإنساني في أن الثورة الحسينية هي ثورة إصلاحية بامتياز ، بل أن حيثيات عناصر الثورة وسحر أثرها متقدمة على مثيلاتها من الثورات الإنسانية الأخرى الوضعية أو الإسلامية ، وأشارت إلى هذه المعاني آلاف الدراسات والأبحاث والخطباء ، وما زلنا نتحدث عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كحدث تاريخي كان منعطفا خطيرا في القرن الأول من تاريخ الأمة الإسلامية ، ووفق ما تعرضه دراساتنا وبحوثنا وما يتناوله خطباؤنا على المنابر والمجالس وحتى بحوث الخارج في الدراسات الحوزوية من عظمة للثورة ، من المفترض أن تكون لها آثار إصلاحية مادية واضحة في كل مجالات حياة المجتمع الإسلامي ، وخاصة إذا علمنا أن ما يميز تلك الثورة المباركة هو طبيعة قائدها ومنزلته من النبي وما نؤكده وهو ( حق ) علاقته بالسماء ، أي أن الإرادة السماوية هي التي رسمت خطوطها العريضة وثبتت أهدافها ، لحاجة الأمة لها في ظروف قاسية تعرضت فيها الدعوة الإسلامية إلى محاولات خطيرة من (الطمس) المقصود من قبل الخط الأموي .

وفق المعطيات التي ذكرتها ، كان على الأمة الإسلامية أن تكون في مقدمة الأمم وأن تسبق غيرها في كل مضامين الحياة المادية والمعنوية ، باعتبار أن الأمام الحسين عليه السلام قد سبق كل المصلحين الأوربيين وغيرهم الذين تمكنوا من إحداث نقلة فكرية وعلمية وحتى أخلاقية في مجتمعاتهم في العصور الحديثة ، كما أن قدرة ( الثورة الحسينية ) على التغيير وخلق ( رأي عام ) ذات أثر غير مسبوق في تاريخ البشرية .

وبما أن غالبية الأمة الإسلامية من المذاهب المختلفة ، قد اتفقت على إقصاء ( الثورة الحسينية ) بسبب إقصائها لصاحبها لدوافع سياسية تاريخية معروفة ، فإن هذه ( الغالبية ) غير مكلفة بتبني الثورة ولا هي معنية أصلاً بالنظر في أهدافها ، لكن أتباع أهل البيت من الشيعة مكلفون شرعا وعقلاً بتبني (  الثورة ) وهم معنيون ( حصراً ) بالنظر في أهدافها والعمل بها حسب الفهم الشرعي الطبيعي للعلاقة بين القائد وأتباعه ، كما أن الثورة الحسينية هي الثورة الوحيدة في العالم التي تحمل ( مقومات نجاحها ) وهذه المقومات لا تتوفر في أي ثورة أخرى سبقتها أو أخرى تأتي بعدها ، فهي مشروع مضمون النتائج لو توفر له من يتعامل معه ( بإخلاص وصدق وهمة ) ، وتتمثل مقومات الثورة الحسينية التي انفردت بها دون غيرها هي أولاً : أنها إلاهية بامتياز ، فهي رغبة سماوية قبل أن تكون رغبة حسينية أو حاجة بشرية ، وأن الإمام الحسين قد نفَّذ أبعاد تلك الرغبة بنجاح وأنجز بكفاءة ما هو مطلوب منه . ثانياً: قائد الثورة لم يكن تقليديا وإنما يمتلك من الصفات ما لم تمتلكه قيادات الثورات الإنسانية الأخرى، فهو ابن بنت رسول الله وهو المعصوم الموصول بالسماء، وهو ابن علي عليه السلام الذي أقام بسيفه الدين ونور ببلاغته وحكمته العقول. ثالثا: وضوح أهداف ومبادئ وآليات الثورة، وانسجامها مع حاجة الأمة ومتطلبات الإنسان في كل عصر.

وبالإضافة إلى ما امتازت به ثورة الإمام الحسين عليه السلام من مقومات النجاح والخلود فإنها طرحت مشروعا لإعادة بناء الأمة ، تمثل بخطاب ( خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) وعزز الإمام هذا المشروع ( بآلية ) فاعلة لتحقيقه عندما قال عليه السلام ( أريد أن آمر بالمعروف وأنه عن المنكر ) ، فالإصلاح الذي رفعه الإمام كشعار وهدف وأكد عليه في خطبه ووصاياه وهو في طريقه إلى كربلاء ، كان أحد الأقطاب الذي تدور حوله الثورة، ولو تمعنا في طبيعة الإصلاح الذي نادى به الإمام لوجدناه إصلاحا شاملاً ، ( إصلاح سياسي واجتماعي توعوي وأخلاقي ) يريد من خلاله إعادة الأمة إلى واقعها في زمن النبي بعد أن اجتهد الأمويون في تغيير ذلك الواقع الذي أوشك أن يتبدل تماما لصالح ( الشرك ) ،  ووصل التشكيك برسالة النبي حدا التصريح من قبل رأس الدولة ( يزيد ) الذي قال ( لا خبر جاء ولا وحي نزل ) . وهذا الأمر يضع أتباع الثورة الحسينية  أمام مسؤولية دينية شرعية (صارمة) لا تقبل المساومة أو المهادنة ، وهي العمل بمشروع الثورة الحسينية من خلال ألآلية التي رسمتها ، للوصول إلى الأهداف التي ثار واستشهد من أجلها الإمام الحسين وهي أهداف إلهية ورغبة سماوية للحفاظ على رونق العقيدة ومصالح الأمة .

وهنا علينا أن نتساءل ، هل نجح أتباع أهل البيت وخاصة أولئك الذين يطلقون على أنفسهم ( بالحسينيين) افرادا وجماعات وكتل سياسية ومنظمات اجتماعية وخطباء وعلماء ، أن يحققوا آمال قائدهم في اتباع نهج الثورة والعمل على تحقيق أهدافها وطاعة قائدها في تبني آلية الوصول لأهدافها ؟؟ ولو أردنا أن نفتش في واقعنا السياسي والاجتماعي عن أثر إصلاحي مادي للثورة هل نجد لها ذلك الأثر الواضح ، بالطبع ( كلا )

ولابد من البحث عن أسباب انتشار الظواهر الفتاكة من تخلف وفساد متعدد الألوان وشيوع سرقة المال العام من قبل المسؤولين الشيعة خاصة ، وانتشار الرشوة والكذب بين العامة ، كل ذلك يحصل بعد أكثر من عشر سنوات في ظل الحرية ، وها نحن اسرى التخلف السياسي والاجتماعي والفساد مع امتلاكنا ثورة عملاقة كالطف وقائد فذ كالحسين ، وثروة مادية من نفط وغاز وزراعة وغيرها ، وفي قراءة متأنية نجد أن سبب الخيبة يأتي بسبب عدم فهمنا لطبيعة الثورة والعلاقة بها ، فما زالت العلاقة العاطفية بالإمام الحسين هي الطاغية في تعاملنا معه ، علما أن الإمام عليه السلام لم يدرج العاطفة في قائمة الأهداف ، فهو شخصية إلهية يهمها أولاً التصاق الأمة بخالقها وتجسيد طاعته بشكل عملي ، وهذا الهدف السامي الإلهي ينصهر في داخله أي معنى آخر ، فلا قيمة عند الإمام الحسين لمجرد حب الناس له ، ولو خيِّر الإمام الحسين بين أن يحبه ( الموالي ) وبين الالتزام بالصلاة والعمل بالإصلاح لأمر بالخيار الثاني ، ولو تذكرنا الآية المباركة ( قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) أو تمعنا في وصايا النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته لوجدنا أن المقصد القرآني والنبوي من محبة أهل البيت هو ليس الحب الشخصي بل ( طاعة الله ) والتقرب إليه في الإخلاص والعبادات ، من خلال ذلك الحب الشخصي ، وأن  محبة الحسين أو الارتباط به عاطفيا ، إذا تجردت من طاعة الله والسير على النهج الإلهي لا تساوي شيئا عند الحسين ، لأنها ليس من أهداف ثورة الحسين التي ضحى وسبيت عياله من أجلها . نعم هي مقدمة مهمة لطاعة الإمام ، لآنه لا يمكن لك أن تطيع ما لا تحب ، كما أنه لا يجوز أن تعصي ما تحب .

فاٌلإمام الحسين صورة مكررة لجده النبي الأكرم في علاقته من العقيدة والمجتمع ، ولطالما صرح برغبته في أن ( يباهي بأمته الأمم ) ولطالما أكد على مكارم الأخلاق والاهتمام بالعلم من أجل أن ترتقي أمته ولا تسبقها الأمم الأخرى ، وهذه الحقيقة من بديهيات الرغبة النبوية والتي هي امتداد للرغبة الإلهية ، وبالبديهة أيضا أن نسلم أن الإمام الحسين لا يسره بل يغضبه أن تكون الأمة الإسلامية وشيعته حصرا في مؤخرة الأمم الأخرى ، ومن منا لا يعترف في أن الشعب العراقي وأكثريته الشيعية في تلك المؤخرة ، ومن منا لا يقر في أننا وصلنا إلى مرحلة التعايش مع الكثير من الظواهر السلبية المتخلفة التي لا حصر لها ، ومن منا ينكر في أننا عجزنا في أن نخطو باتجاه الانعتاق من ذلك التخلف .

ولو أردنا أن نتصفح حياة الشعوب المعاصرة وأقربها إلينا المجتمعات الأوربية ، نجد أن عدة نفر من المصلحين استطاعوا أن يحركوا في تلك الشعوب الرغبة في الإصلاح وألهموها من خلال كتاباتهم أهمية التحرك لإنقاذ حاضرها ومستقبلها من كل أنواع الفساد والجريمة والتخبط الخلقي ، ودفعوها باتجاه ثورة عارمة والاندفاع نحو إصلاحات جذرية ولم تتوقف تلك الشعوب حتى أتمت إنجاز أهدافها متأثرة بمصلحيها ، وكانت النتيجة باهرة عندما توحد 22 شعب تتباين فيما بينها في الثقافة واللغة والتاريخ وقد خرجت للتو من حروب طاحنة ، فأصبحت سياستها واحدة واقتصادها واحد وحطمت أغلب القيود التي تفرقها … فهل ياترى أن جان جاك روسو الذي مهد لتوحيد الشعوب الأوربية يمتلك من عوامل التوحيد والإصلاح أكثر من الإمام الحسين عليه السلام ؟ بالطبع كلا وألف كلا .. فالمباديء التي رسمها لنا الحسين والمشاعر المتقدة الفاعلة في صدور المجتمعات الإسلامية التي خلفتها لنا ثورة الطف في وسعها أن توحد العالم بأسره ، وهي تمتلك من عوامل الإصلاح والتجديد ما لا تمتلكه أي ثورة أخرى  ، وثورة الحسين لو أردنا أن نتمعن في طبيعتها لوجدناها أول ثورة استطاعت مع قائدها ومفجرها أن تصبح عامل  لتجميع الأمة ، وإذا كانت ( سورة الجمعة وصلاتها ) عامل لتجميع عدة آلاف  فإن ثورة الحسين استطاعت أن تجمع الملايين في وقت واحد ، لكن طبيعة تعاملنا مع أهداف الثورة وانشغالنا بقشورها واستخفافنا ( باللب وبالجوهر ) حولها إلى مجرد موسم تتجمع فيه تلك الملايين وتسير باتجاه قائد الثورة وتمارس طقوسا أصبحت بمرور السنين طقوس روتينية لاثمرة مادية لها – مع كل الأموال الطائلة والجهود والزمن الذي نصرفه في تلك المناسبة –  وهذا يدعونا جميعاً إلى إعادة تقييم طبيعة تعاملنا مع الثورة ، أي علينا أن نتعامل مع الإمام الحسين على أنه قائد مصلح قبل أن يكون شهيدا ، لأن هدف الإصلاح في وجدان الإمام الحسين  قد سبق الشهادة وهو الذي دفعه باتجاه التضحية بنفسه وبأهل بيته وعائلته  ، ولذا فإن علينا أن نهتف  في وجه العالم وفيما بيننا أن الحسين مصلح قبل أن نسوقه للعالم على أنه مظلوماً شهيدا .

فمن أجل أن نكون حسينيين بامتياز علينا أولاً أن نعيد صياغة علاقتنا بالثورة الحسينية العملاقة، ففي هذه الثورة من المفاهيم والأسس والمبادئ ما بوسعها أن توحدنا وتنتشلنا من واقعنا الحاضر ( المخيف ) الذي يرفل بالتخلف والفساد والفشل وسرقة المال العام والضعف أمام الأعداء والتفسخ الخلقي المريب إلى واقع جديد نستطيع من خلالها اللحاق بمن سبقنا ، وفي ذلك الوقت ( وحده ) نكون قد ضمنَّا ( شفاعة الحسين ) وشفاعة جده وأبيه وأمه البتول ، أما إذا اكتفينا بالشعائر ونحينا جانبا كل تلك المبادئ التي استشهد من أجلها عليه السلام ففي ذلك مظلمة للحسين المصلح الشهيد  ولثورته.

 

 

 

One Response to “الحسين مصلحاً .. قراءة في تعاملنا مع ثورته -الدكتور طالب الرماحي”

  1. ميثم ابراهيم says:

    السلام عليكم..علاقتنا بالحسين علاقة مصلحه اشوي نبكي عليه والملائكه يلمون دموعنه وبيوم القيامه تقدم الى الله ويخلينه بالجنه..واكو حديث سخيف وينسبوه ضلما للامام الرضا.. ياأبن شبيب ان سرك ان تنال فضل من قتل مع الحسين فقل كلما ذكرته..اي الحسين..ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عضيما..بالدموع وباللسان اتحركه فوك وجوه وتنطق بهلكلمات وبكل بساطه ندخل الجنه وتنال فضل من قتل مع الحسين..بعد ليش ثوره ودوخة الراس وتسويلنه مشاكل ويا امريكا واسرائيل والجماعه يصعدون بدمك وبالمناسبات يكولون لقد ضحى استاذنا بدمه الطاهر ليفجر الوجدان العراقي.. وأنت شعليك بالموضوع اصلا وعلمائنه ضالين بالحوزات.. والروايات اتكول عليهم كأنبياء بني اسرائيل وأحسن..وكلهم معصومين لأن يدرسون المنطق..والمنطق هو آله بمراعاتها تعصمك الوقوع بالخطأ..ويعرفون تكليفهم وينحسبون بمقام صاحب الزمان بس لا يأمرون بالمعروف ولاينهون عن المنكر بس ياخذون من عدنه وصخ الدنيا تحت عنوان الخمس..فيا استاذي الفاضل يراد لنا ثوره اصلاحيه على القيمين على هذا الدين المشوه والذي يتمتع بحماية آكلي اموال الناس بالباطل..
    يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم..

أضف تعليق

*