دوافع التدخل التركي الخير في شمال العراق

مركز العراق الجديد للإعلام والدراسات – بغداد – 23/6/2018 : مرة أخرى اجرت القوات التركية عمليات عسكرية في شمال العراق تحت ذريعة مطاردة مسلحي حزب العمل الكردي الذي تتهمه حكومة ارد وغان بالإرهاب . فهل كان هدف تركيا هو فعلا هو دفع البي كي كي بعيدا عن المدن التركية أم أن هناك اهداف اخرى غير معلنة ؟؟؟

من الناحية التاريخية فأن لدى تركيا فوبيا اسمها فوبيا معاهدة التجزئة, التي ناضل اتاتورك حتى استبدلت بمعاهدة لوزان 1923, وإن هذا القلق سبق وأن دفع تركيا الى رفض العمليات العسكرية الاميركية الأخيرة في العراق, والسعي نحو مركزية بغداد, التي تقطع الطريق على دولة كردية في شمال العراق ممكن أن تُحاكي مزاج أكراد تركيا. وفي المفاوضات التركية الاميركية ما قبل الحرب, وضعت تركيا خطوطاً حمراء كان من ضمنها “تأسيس أقليات عرقية لدول مستقلة في العراق”, وهددت تركيا بالتدخل العسكري في شمال العراق ما إن حصل ذلك. خصوصاً إن عقيدة الاتراك الأمنية كما يصف بعض المهتمين في الشأن العسكري لا تُفرّق بين شمال العراق وجنوب شرق تركيا من حيث هي امتداد جغرافي وإثني واحد.
سعت تركيا كثيراً لتجنب ولوج إقليم حكم ذاتي كردي يتحول مستقبلاً لدولة مستقلة في شمال العراق, الا ان القضية الكردية فرضت نفسها عليهم كما فرضت نفسها على عرب المنطقة سواء المتحالفين ضمناً مع الأكراد او الممانعين لقيام دولتهم. لكن ما يسمى بالأسرة الدولية وعلاقتها مع أكراد العراق, وعدم انبثاق حكومة عراقية مركزية قوية, حجّمت من تحركات تركيا في هذا الشأن, إذ بقيت تركيا تراوح في قضية حزب العمال فقط, ومما ضيّق الخناق أكثر تعاون القيادات الكردية علنأ وعملاً مع الحكومة التركيا في العمليات العسكرية التي تستهدف حزب العمال.
هذه المعطيات, تجعل من تصريح تركيا اليوم, القائل بأحقيتها بالتدخل العسكري في ظل عراق مقسّم, يجعل الأمر متسقاً من حيث تتابع الاحداث. فوجود إقليم كردي يتمتع بحكم ذاتي ويتوسع تدريجياً, دون تدخل من بغداد, وبغض طرف فاضح من واشنطن, يفرض على الأتراك الدخول للمعركة مباشرةً للجلوس على طاولة المفاوضات والمشاركة بإدارة اللعبة من أجل المزيد من المكتسبات والضمانات القومية.

إن المفاوضات التركية للانضمام الى الاتحاد الاوربي التي انطلقت سنة 2004, تسلط الضوء على تحركات تركيا في شمال العراق, وتكبلّ تحركاتها لكي لا تُتهم بالتدخل في شؤون جماعة قومية في حق تقرير مصيرها, وهذا ما يجعلها مجبرة على التفاهم مع الأكراد حول تقاسم الكعكة المقبلة كأمر واقع, أو “الاتفاق المسبق” لتحقيق الأمر الواقع, سأترك الأيام لتثبت صحة أحدهما.
ولذلك فأنها تستخدم حجة الأمن القومي وحزب العمال في عملياتها العسكرية التي هي ليست وليدة اليوم, بل كانت في زمن النظام السابق أوسع مما بعده. وهذا ما تعرفه أميركا, وسبق أن صرّح به هنري كيسنجر, إذ قال : ستجتاح تركيا عسكرياً شمال العراق, إذا ما تجاوزت الحكومة الكردية نقطة معينة. بل ويؤثر ذلك على مستقبل القضية الكردية ذاتها, إذ سبق وهدد الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول, زعيمي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, البرزاني والطلباني, بأن قضية حزب العمال قد تنسف آمالهم في حكم ذاتي مستقر لمناطقهم.
ما أريد قوله من هذه المقدمة المضغوطة, إن الحكومة التركية لن تتراجع عن خيارها بإجتياح شمال العراق طالما هنالك انقسام عراقي, وطالما هنالك خطر تأسيس دولة كردية تحاكي القضية الكردية في تركيا, وكذلك قضية تركمان العراق في ظل غياب دولة وطنية جامعة للمكونات. ومن الطبيعي القول إن مرارة انتزاع بريطانيا الموصل من تركيا ودمجها بالعراق لا زالت تجرح ذاكرة الاتراك, وكذلك المطامع في كركوك الغنية بالنفط. وعلى القارئ أن يتخيل إن منذ عام 1986, هددت الحكومة التركية, بأن في حال [انتشار الفوضى] في العراق, جراء الحرب العراقية الايرانية, فأنها ستسترجع الموصل وكركوك !
في نهاية المطاف, فأن ما يحصل من اجتياح عسكري تركي سافر, واستخفاف ايراني علني, وتدخل سعودي على الصعيد الدبلوماسي, وغيرها من التدخلات المؤسفة والمُذلة, كل ذلك إستحقاق طبيعي ومنطقي لنخب سياسية تأبى أن تتحد, وشعب ما زال يعيش في ذهنية العصور الوسطى وحروبها المذهبية.
لا حل لهذه المشاكل سوى الوحدة الوطنية .. غير ذلك لا يُفضي الا الى المزيد من الدماء, والتدخلات التي لن تنتهي حتى بتقسيم شارعنا الى دولتين!

 

أضف تعليق

*