عزالدين سليم وفكره السياسي – إصدار جديد

صدر عن المركز الوطني للدراسات الاجتماعية والتاريخية في البصرة كتاب “عزالدين وفكره السياسي” وهو في الأصل أطروحة دكتوراه تقدمت بها الطالبة فرات عبد الحسن كاظم الحجاج الى مجلس كلية الآداب ـ جامعة البصرة لنيل درجة الدكتوراه سنة 2008، وقد نالت درجة جيد جداً.

يقع الكتاب ب336 صفحة من القطع الوزيري، وقد تألف الكتاب من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، أهتم التمهيد بالحركة الإسلامية في العراق، موضحاً طبيعتها قبل تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، ثم تناول قيام حزب الدعوة الإسلامية منذ عام 1957 إلى أن تعرض التنظيم لأشد ضربة من حكومة البعث عام 1971  شتت خطوطه وكشفت جزءاً منها للسلطة، وبعدها سلط الضوء على فكر الدعوة الإسلامية وثقافتها، والأسس التي قام عليها التنظيم. والباحثة في هذا التمهيد تتبع جذور الحركة الإسلامية وكيف أدى تصاعدها إلى قيام حزب منظم، فضلاً عن محاولة معرفة الوسط الذي أنطلق منه المؤسسون والدعاة الأوائل، وأدى بدوره إلى انتشار التنظيم، ومن جانب آخر معرفة مبادئ الدعاة وأفكارهم. وهذا كله من أجل تحديد الإطار السليم لطبيعة شخصية عبد الزهراء عثمان السياسية، والمؤثرات الفكرية التي نهل منها، فضلاً عن تتبع خطوط التنظيم التي أرتبط بها.

وقد خصص الفصل الأول لدراسة حياة عزالدين سليم ونشاطه السياسي، مروراً بنسبه وعائلته، إلى محيطه الاجتماعي الذي نشأ وترعرع فيه، وما كسبه من خبرات وتجارب أهلته لأن يكون قيادياً وحاملاً للفكر الإسلامي. ثم ركز الفصل على نشاطه السياسي في مدينة البصرة، بدءاً بانتمائه لحزب الدعوة الإسلامية، وعمله في الحلقات التنظيمية الأولى البسيطة لتنظيم الدعوة في مناطق الهوير والقرنة والمدينة، حتى تطورها إلى حلقات رصينة العمل والسرية واتساع نشاطها على طول خارطة البصرة. ومع اتساع هذا النشاط وانكشاف خطوطه للسلطة، وبيّن الفصل المضايقات والإضطهادات التي تعرض لها عزالدين سليم والدعاة، مما أدى إلى تركه العراق وتوجهه إلى الكويت عام 1975، لذلك كان على الباحثة تتبع نشاطه السياسي والثقافي في الكويت، وتبين أهم الأحداث التي أصابت التنظيم وانعكاس ذلك على دور عزالدين سليم كداعية إسلامي، وانتقال تداعيات هذا الوضع إلى إيران بعد تركه الكويت عام 1980، نتيجةً لملاحقات سلطة البعث له هناك. وفي إيران تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية أدت فيما أدت إلى بلورة المسارات، لتؤدي هذه الأوضاع إلى قيام حركة الدعوة الإسلامية التي أسسها عبد الزهراء مع مجموعة من الدعاة. وفي إيران أخذ اسم عبد الزهراء عثمان “عزالدين سليم” مداه الأوسع سياسياً وثقافياً، ليصبح معروفاً لدى قوى المعارضة العراقية وتنظيماتها، حتى عودته إلى العراق عام 2003 ومشاركته في مجلس الحكم، ولم تغفل الباحثة عن توضيح أهم مميزات هذه الشخصية وخصائصها من خلال وجهات نظر معاصريه وممن عمل معهم.

وحاول الفصل الثاني، توضيح أبرز آراء عزالدين سليم ومنطلقاته السياسية في القضية العراقية، من خلال أبعاد تحرك المعارضة العراقية السياسي، التي عاشت الصدام مع سلطة البعث وعانت من الغربة والمهجر، وتتبع تأثيرات المرحلة في قوى المعارضة ولاسيما الإسلامية منها. وفي مجال القضية العراقية، كشف الفصل عن تبني عزالدين سليم لحقوق الطائفة الشيعية: السياسية والاقتصادية والثقافية. ولكي تكتمل الصورة عن الحركات الإسلامية في المنطقة رصد الفصل وجهات نظر عزالدين سليم حول دور هذه الحركات في إيران، وأفغانستان، ومصر، فضلاً عن دور منظمة فتح الفلسطينية، وبعد أن حدد الفصل أهم مقومات هذه الحركات الإسلامية ونقاط ضعفها في رأي عزالدين سليم، عمد إلى دراسة آرائه في بعض القضايا العالمية مثل دور الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها في المنطقة، ومن ثم سياسة يوغسلافيا الداخلية وبعض من أحداث بولندا والصين والسلفادور التي كانت مستعرة آنذاك، وهذا دليل على مدى أتساع أفق الشخصية السياسي الواعي للأحداث العالمية.

وتناول الفصل الثالث، الجزء الثاني من آراء الداعية عزالدين سليم وفكره، فبعد آرائه السياسية ومنطلقاته، تأتي مفاهيم الدعوة الإسلامية في نهج عزالدين سليم، وهي ما دأب على مواصلة طرحه وتبنيه لأنها من صلب عمل الداعية، ومن هذه المفاهيم التي ركز عليها هذا الفصل، مداليل العمل الإسلامي ومنطلقاته، ومنها دوافع وأساليب هذا العمل وأساليبه ومعوقاته وسلبياته. والمسألة الأخرى المهمة، هي طبيعة النهضة والتغيير في الإسلام، عوامل ركود الأمة الإسلامية وعوامل نهضتها وتغييرها، وكل هذه المفاهيم نجدها حاضرة في معالم الحركة التغييرية عند الرسول محمد والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين)، وإيماناً بحيوية فكر الدعوة ومواكبةً لمعطيات الحضارة المعاصرة ومفرداتها ونتاجاتها السياسية والفكرية، نجد صدى لمفاهيم الحرية والديمقراطية ومبادئ وأسس التربية ودور المرأة في آراء عزالدين سليم الإسلامية.

إن دراسة هذه الشخصية، محاولةٌ لأدراك طبيعة الحركة الإسلامية ونشاطها السياسي والثقافي، لاسيما في مدينة البصرة. بمعنى آخر، إن هناك جوانب خفية من تاريخ هذه المدينة السياسي، كان لعز الدين سليم والدعاة الآخرين بصمات واضحة في رسم معالمها. والأمر الآخر المهم، هو محاولة الكشف عن إسهامات عزالدين سليم ونشاطه في المعارضة العراقية خارج العراق، ومدى انعكاس ذلك النشاط على علاقته مع حزب الدعوة الإسلامية بشكل خاص، وقوى المعارضة الأخرى بشكل عام. بل وانعكاس ذلك كله على متبنياته الفكرية وآرائه. ولما كانت الدعوة الإسلامية في مجمل نشاطاتها وتحركاتها السياسية في العراق، تهتم بالفكر والثقافة وبناء المجتمع على أسس من الوعي الإسلامي، فإن آراء عزالدين سليم ومنطلقاته في هذا المجال، تُعد جزءاً من تاريخ هذه الثقافة وتراثها، إذ كانت له عدة إسهامات، وإن دراستها تعني إدراكاً لجانب من هذا التراث. فضلاً عن غزارة نتاجه الثقافي وكتاباته في السيرة النبوية وسيرة الأئمة من أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين). هذه النقاط هي أبرز ما حاولت الباحثة التركيز عليه لتوضيح ما كان مبهماً من ملامح هذه الشخصية العراقية، ولتسهم ولو بنصيب بسيط في الكشف عن جوانب من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة.

أضف تعليق

*