منظومة القيم وواقع الفساد في العراق ( الحلقة الخامسة ) – الدكتور طالب الرماحي

تناولت في الحلقة السابقة آفة الجهل الذي ورثته الأمة عن النظام السابق وعن تراكمات الظروف الموضوعية التاريخية التي مرت بها ، وأشرت إلى أن الجهل هو الحاضنة لأي شكل من أشكال التخلف ، وأن الأحزاب الممسكة بزمام العراق قد وظفته لتحقيق مآرب سياسية ومادية ، وهي تعمل على تغذيته لتضمن تحقيق أهدافها الآنية والمستقبلية في البقاء في السلطة ، وهي تحاكي بذلك ما كان يفعله النظام السابق ، هذا العمل هو أخطر ما تواجهه الأمة ، وخاصة أن النخب التي تمتلك قسطاً من الوعي والتي ترتبط بالأحزاب السياسية أو المؤسسات الدينية ، لم تبادر إلى مجابهة الجهل بل هي مشغولة في الامتيازات التي وفرتها لها الجهات التي تنتسب إليها ، بل أن تلك الجهات لا تمتلك مشروعا لتوعية الأمة لأنه يتعارض وأهدافها ، نعم ثمة صراعات بين الكتل السياسية على المناصب والمكاسب المادية ، وهناك شبيه له بين بعض الكتل السياسية والمؤسسات الدينية ، بل هناك تحالف غير معلن بين أطراف حكومية متنفذه وأخرى دينية لتقاسم بعض المكاسب المادية والمناصب الحكومية ، يعود إلى فترة إنشاء ( البيت الشيعي ) وانتخاب أول برلمان وطني ، فلا يوجد إذن أي صراع بين الجهل وحاضر الإمة ، وإذا وجد مثل ذلك فلا يعدو أن يكون محاولات خجولة بدائية غير مجدية يراد منها دفع الحرج ، كالمحاولات لتأنيب ( المفسدين وقادته ) من بعض الأطراف السياسية المستقلة وبعض الرموز الدينية ، لكن تلك المحاولات لاتتعدى الخطب والتصريحات على منابر الجمعة وفي الماضرات العامة ، وليس ثمة نوايا من تلك الأطراف للإقتراب من تشكيل جبهة عملية فاعلة ومنهجية لمحاربة الفساد والتخلف ، كما فعلته الشعوب قبلنا ، ولذا فإن من حق الأمة في أن تتهم تلك الأطراف في أنها تعمل بأضعف الإيمان ، مع قضية تشكل الأساس في التقدم والانعتاق من قيود التخلف. أرى من الفائدة أن أتناول تركيبة المجتمع العراقي في ظل الظروف السياسية والدينية الحالية ، قبل أن أطرح رؤيتي لعملية الإصلاح ، لأن مجتمعنا العراقي يعيش ومنذ نيسان 2003 حالة من ( التفكك الاجتماعي والسياسي ) ، فلا توجد مؤشرات لأي خطوط بيانية ومعالم واضحة على الأرض لأسس بناء دولة مدنية حديثة ، وأن كل ما يرد على ألسنة الخطباء في الدين والسياسة هو مجرد أماني ، البعض منها يعكس رغبة حقيقية ، لكن أكثرها يراد منها خداع الأمة بوجود مشروع لبناء دولة ، وخاصة تلك التي تصدر عن رموز الأحزاب ، فالذي نراه واضحا هو سباق محموم بين الوجودات السياسية والدينية نحو تقوية كياناتها وتقوية جذورها ( ماديا واجتماعيا ) بأي طريقة – كما أسلفنا – مع غياب أي تنافس شريف على بناء الدولة ، بل أن المشكلة هو في غياب أي تطلع لدى تلك الأطراف أصلاُ لبناء تلك الدولة ، وأنا أعني بذلك غياب المشاريع الاجتماعية التي تعتبر أساسا مهما للشروع في عملية البناء . وغياب الثقافة المؤسساتية لدى الأحزاب وسيطرة ظاهرة العمل الإرتجالي في إدارة الدولة ، ظاهرة غريبة في مشاريع بناء الدول الحديثة ، ومن أسباب ذلك ضعف اداء السلطة التشريعية التي أخفقت وبعد تسع سنوات من التغيير أن تشرع أقل من 15% من القوانين ، فبقي المجتمع رهينا لقوانين النظام البعثي السابق ، بل أن مجلس الوزراء هو الآخر يعمل بلا نظام داخلي طيلة السنوات التسع الماضية ولحد الآن . وأكثر مما نخافه هو استمرار حالة عدم الانسجام بين مكونات الأمة بسبب اختلاف وجهات النظر بين الكتل السياسية المتصارعة على المصالح الحزبية والشخصية وعلى الثروة بالذات ، ولذا فإن أي مشروع إصلاحي ( اجتماعي أو سياسي ) سوف لن يكتب له النجاح مالم تتوفر قناعة مشتركة ومباركة بذلك المشروع من الرموز التي تتصدى المشهد السياسي والديني ، ومكونات الشعب العراقي في الوقت الحاضر هي : أولاً : العمال والفلاحون والكسبة : نطلق عليها ( الطبقة البدوية ) مصطلح نستعيره من ابن خلدون ، وهي التي تتصف بالخشونة وبالبساطة والكرم والشجاعة ، لكن أخطر ما في هذه الطبقة أنه يسهل قيادتها من قبل القوى ( المؤدلجة ) كالتيارات السياسية أو الرموز الدينية ، كونها لا تمتلك الوعي الكافي الذي يجنبها الوقوع في شراك التبعية السياسية أو الدينية ، وتوظيف هذه التبعية لصالح مشاريع بعيدة عن مصالحا ، وبما أن هذه الطبقة في العراق تتصف بالفقر، فإن من أكبر المداخل في استغلالها هو فقرها وقلة حيلتها ، فتقع في شباك الإغراءات المادية . ثانياً : النخب والمثقفون : ونقصد بالنخب هم حملة الشهادات العلمية والأكاديمية ، ولا يعول على أي من هذه الطبقة على من ينتمي إلى الأحزاب السياسية أو من يعمل تحت تأثير المؤسسات الدينية ، ونعني بهؤلاء خاصة من يمتلك في دواخله ولاءا حزبيا أو دينيا مؤدلجاً ، ويطلق على هؤلاء ( بالنخبة التابعة ) يضاف إلى هؤلاء ألمستقلون الذين يفتقدون وعيا سياسيا أو اجتماعيا ، مع امتلاكهم قدرات علمية كبيرة ويمكن الآستفادة منها في بناء البلد كل حسب اختصاصه ، من خلال توجيههم ، ويمكن لنا أن نطلق علىهم ( بالنخبة المَوجَهة ) . هناك ( الطبقة المُتَرقبة ) من النخب المخلصة المثقفة ، ولديه صورة واضحة لطبيعة المشاكل التي تحيط بالأمة ، إلا أنها لاتمتلك تصورا للخروج من تلك المشاكل ولا مشاريع محددة للإصلاح ، وهؤلاء غالبا مايشعرون بالإحباط وخيبة الأمل ، لكن هؤلاء يميلون إلى المشاركة بقوة في أي مشروع إصلاحي ، إذا ما اقتنعوا بجديته في أنقاذ الأمة ، وتكمن أهمية هذه الطبقة في أنها تشكل الأكثرية في المجتمع العراقي خاصة . وتبقى لدينا ( الطبقة الواعية) وهي الأكثر أهمية في المجتمع العراقي ، وتمتلك هذه الفئة تصورا واضحا ودقيقاً لطبيعة ما يحيط بالشعب العراقي من أزمات سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية ، كما أن لديها كامل التصور عن المشاريع التي من شأنها أن تكون مدخلاً للخروج من تلك الأزمات ، لكنها لاتمتلك مقومات التحرك باتجاه الحل ، وهذه الطبقة من المثقفين أكثر الطبقات حركة وديناميكية ، وهي تنتظر توفر الفرص للدخول في معترك الصراع من أجل التغيير والإصلاح الحقيقي لإنقاذ الأمة من الفساد والتخلف . وهذه النخبة الأكثر رصدا من قبل الأحزاب السياسية الحاكمة وحلفائها ، وتعمل الأخيرة على إضعافها لأنها الأشد خطرا على وجودها ومستقبل هيمنتها على مقومات الأمة وكشف أساليبها غير المشروعة للهيمنة على مرافق الدولة المختلفة . والطبقة الأخيرة ( الطبقة المبادرة ) وهي نادرة ، ويحدثنا التاريخ أن المبادرين هم الذين غيروا وجه العالم ، فهم يمتلكون جرأة كبيرة وشجاعة فائقة في اقتحام المخاطر من أجل التغيير ، والأمة التي لاتمتلك مبادرين هي أمة خائبة لاتنتظر مجدا ولا تتوقع أن تقوم لها قائمة ، والذي يؤسف له أن الشيعة في تاريخ العراق الحديث يكاد أن تنعدم فيه هذه الظاهرة ، إلا ما عرفناه من موقف مبادر للشهيد السيد محمد باقر الصدر ، الذي سجل مبادرة من خلال تحديه للنظام البعثي ، لم تفلح في تحقيق نجاحات مهمة في المجتمع ، إلا ما لمسناه من ولادة تيار واع ، هذا التيار سرعان ما إصيب بهزيمة وضياع بعد أن حولت الأحزاب العراقية – قبل وبعد التغيير – ذلك الشهيد المبادر إلى سلعة للمتاجرة السياسية . ثالثاً : السياسيون ورجال الدين : سوف نتناول هاتين الطبقتين بشيء من الإسهاب ، فهما يمسكان بتلابيب الأمة منذ نيسان 2003 ولحد الآن ، ومع وجودهما لم ير الشعب العراقي أي بوادر أمل في انفراج قريب من الفوضى السياسية والاجتماعية ، وتخلف غير مسبوق في القيم الأخلاقية ، فلقد شهد الشعب العراقي من مظاهر الفساد والتخلف مالم يشهده من قبل ، ونحن نعتقد أن السياسي ورجل الدين مسؤلان بشكل مباشر عن ذلك ، لأن في أيديهما فقط كل مقومات الخلاص من قدرات مادية واجتماعية ، ومع ذلك لم نر أي خطوة أو بادرة باتجاه الإصلاح ، فالأمور لم تزل تسير في منحدر خطير ، فالسياسيون لم ينجحوا في تحقيق الحد الأدنى من طموح الشعب العراقي ، فكل واحد منهم مشغول في تأكيد ذاته والبحث عن مصالحها ومصالح الحزب أو الكتلة التي ينتمي إليها ، ورجال الدين ، لم يدرك الشعب العراقي بعد لهم موقفا واضحاً من التخلف والفساد وغياب القيم الدينية التي هي أصلاً من مهامهم ، ومسؤوليتهم عنها شرعية قبل أن تكون وطنية أو إنسانية ، فتوزع رجال الدين بين الولاء للسياسة والولاء للمرجعية والحوزة ومؤسساتهما ، ولا يدري الشعب العراقي فيما إذا كان رجل الدين في العراق يحق له أن يمارس السياسة كما هو حاصل من البعض ، أو ليس من حقه أن يفعل ذلك كما هو موقف الكثيرين في مؤسساتنا الدينية ، إذن هناك موقف ضبابي ، ففي الوقت الذي أعلنت المرجعية وأطراف كثيرة في الحوزة عدم رغبتها في التدخل في الانتخابات ، نجد أن بعض ممن يحسب على المرجعية يتبنى بعض المرشحين لمجلس النواب ويعملون ما في وسعهم لإيصاله للمجلس ، وهكذا فعلت الحوزة عندما فرضت على طلابها التصويت ( لزيد ) وحشدت كل طاقاتها لإيصاله لقبة السلطة التشريعية ، ولا نعتقد أن من حق الشعب العراقي أن يعترض على أي موقف أيجابي أو سلبي من المشاركة السياسية ، إذا ما اقترن بفتوى واضحة وتفسير شرعي ، ولذا فإن الإشكال يرد عندما يبقى الموقف ضبابيا ، وهذا يفسر من قبل العقلاء أن الموقف الشرعي عند مذهب أهل البيت لم يكن واضحا لدى علمائنا ، أو أن الرغبة في المشاركة ، مع عدم وجود نص شرعي يدفع البعض إلى اتخاذ ذلك الموقف الضبابي ، وكلنا ندرك موقف الشهيد الصدر الذي أوعز إلى طلابه بعدم الانتماء لحزب الدعوة ، بعد أن أشار السيد محسن الحكيم عليه بالانسحاب قبل ذلك ، ولو تسنى لرجل الدين أن يمارس السياسة ، فهل يحق له أن يتقلد منصبا حكوميا ، في ظل ما تشهده المناصب الحكومية اليوم من رواتب خيالية وامتيازات دنيوية غير معهودة ، ومغريات يصعب على النفس الثبات أمامها ، وماذا نفسر توصية السيد السيستاني الأخيرة التي ( منع فيها المعمم من تقلد أي منصب حكومي ، حتى في ديوان الوقف الشيعي ، فهو يرى أن المعمم مهامه الأساسية هو إيصال المباديء الدينية والقيم الأخلاقية وقوانين الشريعة ، وأن الوظيفة الحكومية تبعد المعمم عن تلك المهام بشكل تام . ونحن نعتقد أن ما ذهب إليه السيد السيستاني هو مستوحى مما ذهب إليه أهل البيت عليهم السلام ، طيلة حياتهم ، فلقد منعوا أصحابهم ومن يواليهم من شغل أي منصب حكومي ، مع توفر الكثير من الفرص لهم بعمل ذلك .. وهذا ما سنتطرق إليه في الحلقة القادمة إنشاء الله .

أضف تعليق

*