العراق ونظرية بناء الدولة الى أين…؟ – د. عبد الجبار العبيدي « TheNewIraq.com

العراق ونظرية بناء الدولة الى أين…؟ – د. عبد الجبار العبيدي

Jabbarmansi@yahoo.com

بعد وفاة الرسول(ص) وانقطاع الوحي عن التوجيه الرسالي ، ظهرت مباشرة نظرية الواقع الجديد المعتمدة على الرأي والأسترشاد بالكتاب والسُنة النبوية الشريفة. من هنا بدأ التعامل مع الواقع والوقائع والخضوع لها،فكانت فترة الخلافة الراشدة التي امتدت لثلاثين سنة من 11- 41 للهجرةفترة اختبار لما قد ينتج من توجهات سياسية ودينية في الدولة الجديدة،رغم الاختلافات حين اصبح النص الديني بعد السقيفة لا يشكل المعيارالوحيد للسلوك السياسي احيانا .فبدأت المسيرة الخاطئة في أمة الأسلام بعد الراشدين. ففي عهدهم كانت الرياسة بحاجة الى دراسة وتنظيم ، فالرياسة هي رأس السلطة ،فلا يمكن ان تترك دون تحديد مدة او مدى سطان،لذا تحولت الى ملك وراثي مستبد،وهذا التوجه لا يتفق مع طبيعة الاسلام،وهي دولة الشورى،لكن الفقهاء أهملوا هذا الجانب بدوافع سياسية في وقت وضعوا لكل النظم الشرعية اصوليات وقوانين. لم يستطع مؤتمر السقيفة ان يحقق ما بدأت به التوجهات الجديدة للعهد النبوي لدخول الأختلافات السياسية والدينية في الحياة العامة وبناء العلاقات الواقعية خارج النظام السياسي والاخلاقي للدولة الجديدة.فأصبح الواقع الاجتماعي يفرض عليهم التعامل مع التوجهات السياسية والاخلاقية السائدة في العالم المحيط بهم قبل الاسلام ،بموجب نظرية منا أمير ومنكم أمير.. هنا ظهرت الحاجة الملحة لبناء القوة والعصبية للفرقة او الحزب لحمايته بدلا من الحاجة الى القدرة والعلم والصلاح التي قررها الاسلام.هذا التوجه الجديد فرض قيام السلطة الفردية والعائلية لسلطة جديدة لا تخضع لسُنة محددة اوقانون ينطبق على الجميع فكان الأنحراف. فكانت دولة الامويين والعباسيين . لا شك ان هذه التوجهات السلطوية كانت بحاجة ماسة الى احاطت الحاكم بحاشية مثقفة لتأويل النص الديني بما يتلائم والتوجهات الجديدة خوفا من مواجهة الشرعية الاسلامية في التطبيق،فكان لهم ذلك حين بررت الطبقة المثقفة من الفقهاء والقضاة ورجال الدين – من وعاظ السلاطين- في العهدين الاموي والعباسي بتوجه بعيدا عن التشريع ،فأصبح الحاكم الظالم والفاسد وفق التنظير الجديد افضل من أنعدامه،” انظر نظرية الضرورات تبيح المحضورات للامام الغزالي ت505 للهجرة”). ان الاحداث الجسام التي ظهرت بعد الراشدين حين ضرب الحياد في القضايا المصيرية في حكم الدولة وتحولت الشورى الى بيعة فاسدة كبيعة عام الجماعة سنة 41 للهجرة. ظهورخلاف العلوين مع الأمويين، وخلافات الأرجاء في حسم القضايا المصيرية وألتزام حبهة الباطل،مما أدى الى ظهور الكتلة الساكتة في الأسلام،فكانت نموذجا مؤسساً لخط الضعف وضياع الحق بالتقادم. فبدأ الحق والعدل ينهزم امام الباطل تجنباً للفتنة ،دون ان يدركوا بأن طريق العدل والمبادىء هو وحده يضمن للمجتمع أستعادة التوازن والثقة ،حتى لو تم ذلك بعد ثورة فيها تضحية. ونظرا لاشتداد الأزمة تصارع الفلاسفة والفقهاء في هذا الاتجاه كل يؤيد وجهة نظره بعيدا عن النص الديني مبررين نهجهم السياسي في تلك المرحلة الحرجة بالقبول بأنهم سيقفون مع صاحب السلطة لأنه صاحب شوكة،هذه الواقعية كانت تعني الاستسلام للمنتصر وان كان ليس عادلاً، مما دعا السلطة ان تحيط نفسها بوسط من الساكتين عن الحق ومنح الحاكم سلطة القوة مقابل أعطيات الحاكم من جاه وثروة. 2 هذا التوجه السياسي الخاطىء في الدولة الاسلامية بعد عهد الراشدين يتكرر في الدول العربية الحالية بعد الأحتلال مع الفارق الزمني والتوعية الفكرية .فالتغيير جاء بنظرية الديمقراطية وابعاد الفردية في مجتمع تعود على الحكم الفردي دون تمييز،ومن جاؤا بهذا التوجه هم منه فكيف يصح تطبيق الديمقراطية في مجتمع تعود على نكرانها ومن قيادات لم تتعود على حكمها؟ هنا كانت الأشكالية. ان الذي ساعد على حصول النفرة وانعدام الثقة بين الجميع هو الغريب الذي جاء بنظرية المحاصصة الوظيفية وقبول المرافقين له بها دون تفكير بالعواقب المستقبلية بعد ان حققوا مصالحهم المادية والشخصية واستلام السلطة،ومقابل ذلك طرحوا فكرة الشراكة والتوافقية ،وما دروا -أو قاصدين- ان التوافق مرفوض شرعا وقانونا لأن فيه يفضل المفضول على الأفضل فتنعدم الكفاءة في حكم الدولة وهذا الذي حدث فأنهارت المؤسسات حين أصبحت ملكا لحاكميها وليست ملكا للدولة والمواطنين. وحتى ينفذ هذا التوجه الخاطىء عمدوا الى تصفية كفاءات الامة لابعاد شبح المعارضة الحقيقية عنهم،وهكذا كان. فالكل دون استثاء من الليبراليين والشيوعيين والمتدينيين والديمقراطيين ورجال الدين أصبحوا مسئولين عن دق مسمار الموت في العملية السياسية ،بعد ان اشتركوا جميعهم في التغييردون معايير ،ووافق رأيهم رأي الحاكم المدني في التدمير ،ناهيك عن مطامح دول الجوار والاكراد المتطلعين لبناء دولتهم على حساب الأكثريةمن العراقيين . لا شك ان القيادات العراقية بكل توجهاتها كانت غبية ولم تكن بمستوى المسئولية الوطنية الحاضرة والمستقبلية بعد ان اغرتها السلطة والمال. معتقدة ان ما حققته من مكاسب شخصية كان كافيا لقناعتها بالخطأ الكبير المرتقب، مراهنة على ان الزمن سيلعب الدور الفعال في عملية التغيير،هنا كان موتها ،فالأوطان لا تموت ابداً وان فقدت رجالاتها،فألمانيا عادت اقوى بعد هتلر وأيطاليا بعد موسليني وغيرها كثير،وسيعود العراق أقوى مما كان بعد زوال الحاكمين الفاسدين ،أنهم قوم مسرفون. . هذه التوجهات الخاطئة وبروز السلطة والمال بدلا من الحق الوطني في الحكم والسياسة دون الأنتباه الى أنها كانت أضطرارية ولأنهاء أوضاع شاذة سادت فيها العنفية والمكائد وضعف المجتمع المدني وتدني مستويات المعارف العلمية،ظهر الاتجاه الذي يبررالصد عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ولو بعد حين ،لأنها اصبحت بتطبيقها تهدد عروش الطغيان والفردية بعد ما وجدو علماء يبررون جور الحاكم وانحرافه عن نظرية الحق والعدل الذي نادى به التغيير ولو نظرياً. ولعب القضاء العراقي ولا زال دورا في التدمير . هنا وحينما حاصر الواقع الحاكم في تطبيق نظرية التغيير في الحقوق والواجبات وتحديد سلطة الدولة عن حقوق الناس،أصبح الحاكم وجها لوجه امام الكارثة القادمة من وراء حجب الليل البهيم ،فاما الوفاء بالعهد والقسم المكين،واما الخروج عليهما والتفرد بالسلطة معللا ذلك بظروف الأحتلال وما الى ذلك من أقاويل.. فاختار الثاني فوقع في خطأ التقدير. انني اعتقد جازما ان اي من القيادات الحالية اذا صممت على تحقيق نظرية العدالة دون تفريق ستنجح في اخراج الوطن من ورطة المتأمرين. لكن التصميم على تطبيق القانون يحتاج الى الرجال المخلصين من اصحاب المبادىء الوطنية من الثابتين ، فأين نجدهم وسط فوضى المال والسلطة ،وهما أساس تدمير عقول االنساء والرجال كما قال علي (ع) امير المؤمنين. 3 هنا دخلت مرحلة تبرير الظلم،بالأعوان وبعض رجال الدين،وما دروا أنهم يظلمون أنفسهم قبل الأخرين. والآن وكما ترون ان كل ما يجري على أيدي حكامنا -المختلفين فيما بينهم – فهو جزاؤهم وأستحقاقهم، لردائة اعمالهم، وقبح أفعالهم،، وقلة أمانتهم ،فهم مقصرون،وكما تكونوا يولى عليكم. والا من يقبل ان يكون الاجنبي هو صاحب القانون ؟ وحين تنبهت الشعوب الى واقع التحريك التاريخي وظهور حركات التحرر العربية الحالية التي حولت حكام الخيانة الى أنقاض بشرية للهجمة الفردية من تبرير ظلم الحاكم للرعية فلا مجال اليوم للتبرير بعد اليوم سوى تسويغ الضمير،لأنهم ارادوا ان يسقطوا قول الحق والصالحين في حكم الدولة مبررين ذلك بالطائفية والعنصرية واخيرا ألهاء الناس بالبطاقة التموينية والمفروض ان يكون الشعب اليوم قد وصل الى حالة الاكتفاء الذاتي بقانون ،أن الاعذار اقبح من الافعال وياليتهم يستحون ؟. هذا الواقع المر الذي تتعايش معه الدولة بعيدا عن خط الاستقامة اليوم ، بتفضيل المفضول على الأفضل وتجميع كذابين الزفة المنتفعين حولهم والفاسدين والمفسدين،لا الشيعة ولا السُنة بقادرين ان يصنعوا دولة بهذه المقاييس ,ولن يستطيعوا،فقيادة الدولة لها شروط هم من الفاقدين لها،وفاقد الشيء لا يعطيه.. فغالبة الشيعة اليوم يعيشون في عوز الحاجة ولا نصيرلهم معزولون عن قياداتهم، وكأن الحاكم ليس منهم،،والسُنة مهمشين من قياداتهم اللاهية في التأمر على الوطن مع المجاورين رغبة في السلطة الضائعة منهم والقابضين للمال خلسة من الحاكمين ،وما دروا أنهم هم السبب في كل ما حصل للوطن الظليم فهم والازدواجية لصيقان فلا تصدقوهم فهم سراق وقتلة من اصحاب المجرمين،ومادروا ان الوطن شعب وليس سلطة، والأكراد يتقاتلون فيما بينهم واصحاب الفكر الامبراطوري يحكمون بالمال والسطة دون الشعب منفردين والا لماذا يستبعدون الأكراد الفيليين من حكم الدولة،ألم تكن هذه عنصرية او طائفية سميها ما شئت.. ان الذين يصنعون الدولة هم القادة المقتنعين بالوطن والقانون وحقوق الناس من ذوي الهمة والقدرة على القيادة وهم قلة اليوم في عراق العراقيين ، لكن المستقبل لهم رغم الاعداء المحيطين بهم ،.فهل سنملك القائد بمواصفات النجاح ؟ نعم ،فالاصرار على الحق نجاح ، وان صوتا واحدا شجاعا اكثرية رغم اصرار الفاسدين. .الحركة الرأسمالية توفر لها آدم سمث، والحركة الشيوعية توفر لها ماركس ولينين وماو ،ونحن لا نملك مثلهم اليوم،فليس بمقدور القائد ان يبني دولة الا اذا توفرت به شروط بناء الدولة،فلكل طموح حدود ولكل توسع مدى. هنا يسقط السؤال التقليدي عن مصدر السلطة- من هي السلطة ؟- فلا جواب،بل يتوقف البحث عند حدود كيفية ممارستها. فهل لنا اليوم نظرية لكي نمارسها ….؟ وهل لدينا رجال تؤمن بها …..؟ أم لدينا نماذج من قادة فكر الطاعة تمهيدا لقيام نظرية الاستبداد من جديد؟

أضف تعليق

*